– الحكمة الربانية في التنمية البشرية – ج3|ح4
قال الله تعالى بسورة آل عمران الآية 57 : وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)
وفي سورة الزلزلة قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبسمك في وجه أخيك صدقة،
الحكمة المستقاة من هذه الآية الكريمة وما توصلت إليه التنمية الحديثة: إن التنمية الحديثة تعتبر أن الفوز العظيم بهذه الدنيا يتجسد بالنجاح المادي وعليه يجب على الفرد أن يفصل ما بين العمل وأي قيمة أو معتقد ويدعي أن الشغل هو الشغل لا مجال للقلب والعواطف فيه”Business is Business”. كما أن الدين يستثنى من العمل للنجاح وتصبح المادة هي المعيار المحرك.
فأصبح التعامل الصادق الأمين نادر الوجود بل على العكس ما يخدم المادة يعمل به ولو على حساب التظاهر والتودد البراق المخادع أي أن الأجر لا يكون إلا بمقابل محسوس بالدنيا ولا تحركها إلا المادة لا الإيمان بأن الأجر والثواب ليس بالضرورة أن يكون بالدنيا فقط وأن أجر الذين يعملون أي عمل صالح سيوفّاه إن لم يكن بالدنيا فبالاخرة
ولكن أكيد سيكون مربوطاً بالايمان وكيف لا وإلا سيكون هناك تناقض بالآية الكريمة وهيهات هيهات إلى أي تناقض وهذا كلام الله، وقد ذكرت الصالحات مقرونة بالذين آمنوا (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أو (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) وهذا يندرج أيضاً تحت السهل الممتنع!! لأنه لو كانت الآيات التي يُوفى بها من يعمل الصالحات غير مقترنة بالمؤمنين فسيقول قائل وكيف ذلك وهذا الشخص لا يؤمن أصلاً بالآخرة فكيف تعده بأجره بالآخرة!!! وهنا يكتمل المشهد وهو دعوة ليست ايمانية لكي يؤمن الناس بالله بل دعوة منطقية لمن لا يؤمن لكي يؤمن!!
وهنا السهل الممتنع أيضاً!! لأن مخاطبة من لا يؤمن يجب أن تكون بمنطقه وليس بمنطق الإيمان لأنه لا يؤمن!! وهنا تتجلى عظمة كتاب الله سبحانه ما أعظمه. ولكن في سورة الزلزلة عندما قال الله ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فهنا خطاب عام للخلق المُحاسبين طبعاً أكانوا إنساً أم جناً أم خلقاً لا نعلمهم الله يعلمهم ولكن بيت القصيد هنا أن المخاطب ليس المؤمنين على غرار الآيات التي ذكر بها من يعمل الصالحات وهنا سهل ممتنع يخاطب به الناس ودعوة أخرى لمن لا يؤمن بأن كل عمل ستجزى عليه إما خيراً أو شراً فاختر أنت!!
ويؤكد الله أنه لا يظلم مثقال ذرة بسورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) ، بل ويؤكد دعوته وتحبيبه لمن لا يؤمن بالله بإعطائه أكثر مما عمل ويستحق في حال آمن لأنه من يعمل الحسنات هم المؤمنون فيضاعفها لهم، وحتى ولو كان مثقال ذرة، وكذلك نرى أيضاً شعارات الحفاظ على الزبون والتي تنادي بأن الزبون دائما على صواب وهذا يفتح باب الاستغلال من قبل العميل والرياء من قبل البائع واختلط الحابل بالنابل.
وهكذا زُين النفاق والرياء إذا تماشى مع تحصيل المادة وعليه أصبح منهجاً لنجاح العمل . ولكن المصطفى الهادي عليه الصلاة والسلام يؤكد ما جاء بالقرآن ويقول بالمفهوم المتعارف عليه بين الناس لكي يقرب الفكرة لأذهانهم بأن الابتسامة والتي لا تكلف شيئاً مادياً محسوس للناس بأن لها أجراً تؤجر عليه ولكن لمن؟ نعم للمؤمن بالله وباليوم الآخر لأن الجزاء ينتظره هناك فيزيد إيمانه ويبدأ بعمل الصالحات وحتى ولو لم يُكافأ عليها بالدنيا .فاللهم وفقنا لعمل الصالحات وأجرنا بها يوم لقائك اللهم آمين، وإلى لقاء آخر بحلقة قادمة والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله. ..
▶ شاهد حلقات سلسلة «إحياء شعيرة التفكر» على قناة يوتيوب.
