Skip to content

Tayseer Alfalah Blog Page

تحدٍّ أم ابتلاء

5 min read1 views

– الحكمة الربانية في التنمية البشرية – ج3|ح5

قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155). (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156) 

ففي تفسير ابن كثير لهذه الآية: أي أن الله يختبر عباده ويمتحنهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال هاهنا ” بشيء من الخوف والجوع” أي بقليل من ذلك” ونقص من الأموال ” أي ذهاب بعضها” والأنفس ” كموت الأصحاب والأقارب والأحباب” والثمرات”أي لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها “وبشر الصابرين” يختبر الله عباده فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه.  قال تعالى (وبشر الصابرين) وبين من الصابرون الذين شكرهم فقال (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) أي ثناء من الله عليهم. 

 الحكمة المستقاة من هذه الآية الكريمة وما توصلت إليه التنمية الحديثة:  إن التنمية الحديثة تدعي أنه لا يوجد هناك مشكلة وإنما تحدٍّ ويجب علينا المثابرة والصمود وتجاوز هذا التحدي والتغلب عليه وذلك للوصول إلى النجاح. أما الحكمة الربانية فتقول بأنه لا توجد مشكلة وإنما ابتلاء أي امتحان من الله تعالى ومفتاحه الصبر ومفتاح الصبر الإيمان بالرجوع إلى الله، أقول ما أعظمك يا ربي توضح أن ما يصيبنا ليس بمشكلة ومصاعب وإنما امتحانات وتعطينا الحلول لها . أقف عاجزاً عن شكرك مذهولاً لحكمتك المعطاة بأسهل أسلوب يستحق الوقوف والتأمل لعظمتك كيف لا والله تعالى يقول بسورة (لقمان: 2): (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) .وكذلك ماذا كان رد سيدنا يعقوب عليه السلام بسورة (يوسف:83) (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).

كما أن التنمية الحديثة لم تعطنا إلا نصف الحل ومنقوص أيضاً! لأن المثابرة والصمود لتجاوز هذا التحدي لا يعدل الصبر تماماً وحتى ولو قلنا يعدله فيبقى نصف الحل وليس بحل، لذلك نرى المبدعين في هذا المجال يعانون من إيجاد تفسير لتوقف المرء عن المثابرة والثقة بالنفس والتصميم على تخطي التحديات ويلوحون دائما بأن التغيير هو بداخلك ويبدأ بداخلك ويحومون حولها ولكن لا يعطونك الحل الوافي والشافي مع أنهم يسهبون في شرح وتفصيل النصف الأول من الحل على غرار ذلك.

أما الحكمة الربانية فإنها تُعطي النصف الآخر من الحل باختصار شديد وهو مفتاح الصبر وهو: الإيمان بالرجوع إلى الله وأنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فيعلم المرء أن أجره على الله فيبقى مثابراً وتبقى قوته الداخلية قوية ومتواصلة على حثه لتجاوز هذا الامتحان الرباني وهذا ما نراه في أعظم امتحان لمن اصطفى الله من بني آدم وهم الأنبياء عليهم السلام حيث ضمن لهم أجرهم فقال تعالى بسورة هود عندما قال هود لقومه” يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) ، وقول سيدنا نوح عليه السلام لقومه (الشعراء:109): (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) والآيات كثيرة ولا داعي لذكرها. وكما قال رسول روى الترمذي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . صححه الألباني ..

انظر إلى مفتاح الصبر فهل ترى أعظم من هذا الحل وهل تذكر يوجد شخص الآن يثابر 950 سنة على حل تحدي كما فعل سيدنا نوح عليه السلام!! حتى قال له قومه كما ورد (هود:32): (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). انظر إلى مثابرته عليه السلام حتى أن قومه اعترفوا بأنه أكثر تذكيرهم بالعودة إلى الله وبذلك فإنهم أقاموا الحجة على أنفسهم من حيث لا يعلمون. حتى قالوا له أيضاً بسورة (القمر:9):(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) . صبر حتى اتُّهم بالجنون فما هذه الطاقة الذاتية الداخلية الهائلة التي مصدرها الإيمان بالله والتوكل عليه والرجوع إليه والتي تتضح في الآية  الكريمة التالية بسورة (يونس:71): (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ). ونرى أن سيدنا نوح يوضح سبب الرسوب في ابتلاء الله وامتحانه عندما وضح ذلك بقوله تعالى بسورة (نوح:21): (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً) فلنحذر من هذا السبب وأن لا نضعه حجة لفشلنا ورسوبنا بالامتحان. ولصبر وعزيمة سيدنا نوح وتكريما له فقد أثنى الله عليه في قوله تعالى بسورة (الصافات:79): (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) .

ونلخص بأن نصف الحل هو الصبر وبأن النصف الثاني للحل هو الإيمان المطلق بالرجوع إلى الله وأنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة وان الأجر على الله وعندها يبقى المؤمن مثابراً حتى النجاح في اجتياز الابتلاء والنجاح بالامتحان. وللتأكيد هنا على ثلاث نقاط مهمة نسرد ثلاث آيات أولاها قال تعالى بسورة (آل عمران:171): (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ), وبسورة (الأنفال:28) (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ),وبسورة (هود:115) (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). وأخيراً فإن الأنبياء جميعاً اجتازوا الامتحان وكان الامتحان والابتلاء الأكبر لأولي العزم منهم ومن بينهم سيدنا نوح عليه السلام وسيدنا إبراهيم عليه السلام وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام . فاللهم اجعلنا من الصابرين والمؤمنين والراجعين اليك في كل ابتلاء وآتنا أجورنا يوم لقائك قولوا معي اللهم آمين،

وإلى لقاء آخر والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله. ..

Share