Skip to content

Tayseer Alfalah Blog Page

التفسير والتأويل

8 min read2 views

– آية كونية وتفسير – ج6|ح4

أولاً إن معنى التأويل يتضح بقوله تعالى بسورة الكهف: قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) ، وسورة يوسف: رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)، إذن التأويل هو كما نقول قراءة ما بين السطور من معنى غير ظاهر وإنما بما يوحي له المعنى،

ولكن التفسير هو تبيان المعنى الظاهر والواضح من معنى الكلمات، ولكن السؤال هنا متى يتم تفسير القرآن بالمعنى الظاهر الواضح والسهل ومتى نلجأ إلى التأويل: ففي الأعراف:  ” وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) “،  وفي سورة  آل عمران: ” الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) “، ففي هذه الآية انقسم العلماء بتفسيرها إلى فريقين أولهما وقف عند لفظ الجلالة والفريق الثاني يقف عند والراسخون في العلم.

فكان ابن عباس يقرأ ويقف عند لفظ الجلالة: “وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون: آمنا به” (7) وكذا رواه آخرون: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله.
ومنهم من وقف على قوله: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المُحْكَمَة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه (8) بعضًا، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: “اللهم فَقِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل”.


ومن العلماء من فصل في هذا المقام، فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } [ يوسف : 100] وقوله (9) { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } [ الأعراف : 53] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } مبتدأ و { يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر (1) وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } [ يوسف : 36 ] أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: { يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } حالا (2) منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } إلى قوله: { [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ] (3) يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا [الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ] (4) } الآية [ الحشر : 8-10 ]، وكقوله تعالى: { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [الفجر : 22 ] أي: وجاءت الملائكة صفوفًا صفوفًا. وقوله إخبارًا عنهم أنهم { يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } أي: بالمتشابه { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ولهذا قال تعالى: { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ } أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.

فأضرب مثالين هنا لتوضيح الأمر أكثر: إذا كان لديك سائق يعمل لديك وعندك باص وسيارة يقوم على قيادتهما بحسب الحاجة وفي يوم من الأيام أخبرته بأن يأخذ الباص ويذهب لجلب مجموعة من الضيوف ولكنه عندما رجع لم يُحضر أحداً فقلت له ماذا حصل فأخبرك بأن السيارة لا تتسع لعشرة أشخاص فسألته أأنت ذهبت إليهم بالباص؟ فقال لك لا فقلت له لماذا مع أنني قلت لك خذ الباص واذهب وأحضر الضيوف فقال لك مهلاً: هل الباص والسيارة هما من فصيلة المركبة فقلت نعم ولكن لماذا تسأل فقال مهلاً فهل الباص والسيارة لهما محرك وموقد واحد فقلت نعم ولكن لماذا تسأل وبدأت تغضب فكرر السؤال وقال وهل لهما أربع إطارات ووو فقلت له اخرس وقل لي ماذا أخذت فقال السيارة وهي لا تتسع لهم فعندها قلت له وهل قلت لك خذ السيارة أم الباص وعندها قاطعك وقال قلت لك هما من نفس وو وعندها قلت له لا تؤوّل علي ما لم أقل ولا تكذب علي وانصرف من وجهي قبل أن أفعل بك كذا وكذا!!! وهذا المثال الواضح يوضح الحالة الأولى التي نقف عندها عند لفظ الجلالة، فمثال عنها من القرآن الكريم بسورة الرحمن: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)،

وبسورة الفرقان: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) ، فهنا يصف الله البحرين فيأتي قائل ويقول بأن المقصود من البحرين هما بحر ونهر ويأتي بمقطع فيديو يصور التقاء البحر بالنهر ويؤكد بأن كليهما من نفس الفصيل وبهما ماء ودرجة الملوحة تتدرج وأن بعض الناس يطلقون بلغتهم على النهر بالبحر وبان هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وأن بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وهو خط التقاء الماء العذب بالماء المالح وعدم مزجهما نتيجة اختلاف الكثافة فأقول هنا هل هذا التأويل صحيح وهل فعلا هذا هو المقصود فعلاً أم بُغية تأكيد معلومة علمية من مبدأ سبقناهم!!! فالجواب كلا وسآتي بالدليل من القرآن الكريم أيضاً، ففي سورة إبراهيم: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)، وهنا بيان من الله تعالى بأن البحر ليس كالنهر وإلا لاستخدم نفس الكلمة مع أن كلمة بحر ونهر هما من الكلمات الواضحة الدلالة ولا تحتاج إلى تأويل على الإطلاق.

وكذلك بسورة النمل: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)، وهنا يخبرنا الله بأنه جعل الأرض قراراً أي ثابتة لا تتحرك وجعل خلالها أنهاراً وانظر كيف تم ذكر الأنهار وبعدها تم ذكر وجعل بين البحرين حاجزاً فأقول سبحانك ربي ما أعظمك تذكرها لكي يعلم الجميع بأن البحر ليس كالنهر وكذلك يذكر البحرين ما السر بالبحرين هنا!! ولكن الدليل الثاني من القرآن هو بنفس سورة الرحمن في وصف البحرين وبعد الآيتين الأوليين مباشرة:  يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) ، فهنا يخبرنا الله بأن البحرين يخرج منهما اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ويأتي بعدها مباشرة لمن يريد التأويل بقوله تعالى فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.

وهنا وبعد البحث يتضح لنا بأن اللؤلؤ والمرجان لا يكونان إلا بالبحار المالحة وليست الأنهار العذبة يعني المقصود بالبحرين هما فعلاً بحران وليسا بحراً ونهراً كما يتم تأويلهما، إذن الخلاصة هي الوقوف عند لفظ الجلالة عند كل كلمة واضحة الدلالة ظاهرة المعنى دون تأويلها وإلا سينطبق علينا ذلك السائق بالمثل الذي ذكرته أعلاه.. وأما المثال الثاني ولنفرض بأننا كنا جالسين بمجلس وبقدرة الله أتى إلى المجلس أناس كانوا يعيشون قبل 1000 سنة من الآن وجلسوا معنا وعندها قلت لزميل لك بأن يتصل بالجوال بأحد المطاعم لكي يحضروا لكم العشاء فعندها بدأوا ينظرون اليك بدهشة وغرابة كونهم لا يعرفون ماذا تقصد بالجوال وعندها بدؤوا بالتأويل لكلمة الجوال لأنها بالنسبة اليهم فهي كلمة غير معروفة أو واضحة الدلالة فقال أولهم بأن جوال هو جن وقال الثاني بأنه مَلَك وقال الثالث مهلاً فكلمة جوال اسم لفعل جال ويجول إذن فهذا اسم لشيء يتحرك وممكن لديه من الخواص ما يؤهله لأن يخبر ذلك الشخص بأن يحضر العشاء. فهنا أتساءل مَن مِن هؤلاء يُثير الدهشة والاعجاب لديكم وتتجلى لسماعه؟ بالطبع الثالث لأنه ذو علم ويحلل بعلم ولله المثل الأعلى فإنه يتجلى ويتفاخر بأولي العلم، ولكن مهما لبث هذا الشخص الثالث من التأويل فإنه لم ولن يتوصل لوصف الجوال بما نعرف نحن لأنه لم يره ولم يشاهده على الإطلاق وسيبقى يدور بفلك المعنى دون الوصول إلى المعنى والوصف الحقيقي له،

وهنا نقف عند الراسخون بالعلم، وأضرب مثالاً من القرآن على ذلك بسورة العاديات! جاء رجل فذهب إلى علي، رضي الله عنه، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أولَ غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي، رضي الله عنه (1)، وقال البعض بأنها الملائكة والبعض الآخر الله أعلم بمرادها وهنا وعند عدم وضوح المعنى للكلمة نقف عند الراسخون في العلم ولذلك فتح باب التفكر للراسخين في العلم وكذلك ذكر بكتابه ما يحتاج إلى تفكر وتأويل ولكن بعلم دون إفراط أو تفريط أو اتباع الهوى ابتغاء الفتنة أو ابتغاء تأويل القرآن فقط، لكن كلمة العاديات بالنسبة لله فهي واضحة الدلالة وضوح الشمس وسط النهار وهي مثل كلمة الجوال لنا ولكن الله له غاية وحكمة لعدم الافصاح عنها كما ضربته بالمثال؛ إذ بإمكاننا إظهار الجوال للأشخاص الثلاث وشرحه لهم وعندها يزول الغموض ويذهب التأويل أدراج الرياح ولله المثل الأعلى جل في علاه، ولكن ما يخطر ببالنا من حكمة واضحة لهذا المثال بأن الله يريدنا أن نحيي شعيرة التفكر ويمدح من يقوم بها بكتابه في عدة ايات،

ولكن كما نوهت سابقاً فعلينا إحياء شعيرة التفكر والبحث بمنهج علمي ومنطقي بعيداً عن الهوى أو الرأي الشاذ أو السطحي أو ما يتناقله البعض من هنا أو هناك مُدعماً بالأدلة والتحليل العميق وبأبعاد مُختلفة، وأسأل الله لكم ذلك اللهم آمين . وإلى لقاء آخر والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله..

Share