Skip to content

Tayseer Alfalah Blog Page

وفاء امرأة وإنصاف أمير

4 min read1 views

قصة عن الوفاء الذي أصبح عملة نادرة هذه الأيام

في كتاب عبد الرحمن بن الجوزيّ بسند رفعه إلى هشام بن عروة، قال: أذن معاوية بن أبي سفيان يوماً للناس، فكان فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة. فلما أخذ الناس مجالسهم، قام الفتى وأنشد يقول:،

مُعاوي، يا ذا الفضل والحلم والعقلِ = وذا البرِّ والإحسان والجود والبذل

أتيتك لمَّا ضاق في الأرض مسكني = وأنكرت مما قد أُصبت به عقلي

ففرَّج كلاك الله عنِّي فإنني = لقيت الذي لم يلقه أحدٌ قبلي

وخذ لي هداك الله حقِّي من الذي = رماني بسهم كان أهونه قتلي

وكنت أرجي عدله إن أتيته = فأكثر تردادي مع الحبس والكبلِ

سباني سُعدي والنبرى لخصومتي = وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي

فطلَّقتها من جهد ما قد أصابني = فهذا أمير المؤمنين من العدلِ

فقال معاوية: ادن بارك الله عليك! ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إنني رجل من بني عذرة، تزوجت ابنة عمّ لي. وكانت لي صرمةٌ من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبة الزمان وحادثات الدهر، رغب عني أبوها. وكانت جارية فيها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها. فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخاً به راجياً لنصرته. فذكرت له قصتي، فأحضر أباها وسأله عن قضيتي. وكان قد بلغه جمالها، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لك، وزوّجني بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابيّ! فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لي خصماً وعليّ منكرا! فانتهرني وأمر بي إلى السجن وأرسل إليّ أن أطلقها فلم أفعل. فحبسني وضيق عليّ وعذبني بأنواع العذاب، فلما أصابني مسُّ الحديد وألم العذاب ولم أجد بدّاً عن ذلك، طلقتها. فما استكملت عدّتها حتّى تزوج بها. فلما دخل بها أرسل إليّ فأطلقني. وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيراً بك، وأنت غياث المكروب، وسند المسلوب. فهل من فرج؟ وبكى وقال في بكائه:

في القلب منِّي نارُ = والنار فيها استعارُ

والجسم منِّي نحيلٌ = واللون فيه اصفرارُ

والعين تبكي بشجوٍ = فدمعها مدرارُ

والحبُّ داء عسيرٌ = فيه الطَّبيب يحارُ

حُمِّلت منه عظيماً = فما عليه اصطبارُ

فليس ليلي ليلاً = ولا نهاري نهارُ

وليس إلا بربي ثم الأمير انتصارُ

وانكبّ مغشياً عليه، فرقَّ له معاوية وقال يا حاجب عليك بالقرطاس والقلم واكتب:

وليت ويحك أمراً لست تدركه  = فأستغفر الله من فعل امرئٍ زاني

قد كُنت تُشبه صُوفياً له كُتبٌ = من الفرائض أو آيات فرقانِ

حتَّى أتانا الفتى العذريُّ منتحباً = يشكو إلينا بهم واحزاني

أُعطي الإله يميناً لا أكفرها = نعم وأبرأ من ديني ودياني

إن أنت خالفتني فيما كتبت به = لأجعلنَّك لحماً بين عقبانِ

طلِّق سُعاد، وجهزها معجَّلةً = مع الكميت، ومع نصر بن ذبيانِ

فما سمعت، كما بلغت في بشر ولا كفعلك حقا، فعل إنســــــان

فاختر لنفسك إما ان تجود بها أو أن تلاقي المنايا بين أكفـــــان

ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر بن ذبيان وقال: اذهبا به إليه!

قال: فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم وقرأه تنفس الصعداء وبكى، وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلَّى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف! وجعل يؤامر نفسه في طلاقها فلا يقدر. فلما أزعجه الوفد طلقها وأسلمها إليهما. فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت عليه من الجمال المفرط، قالوا: لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين! وكتب ابن الحكم كتاباً لأمير المؤمنين معاوية، ودفعه إليهما مع الجارية. فكان مما كتب فيه يقول:

لا تحنثنَّ أمير المؤمنين فقد = أوفي بعهدك في رفق وإحسانِ.

وما فعلت حراماً حين أعجبني = فكيف أُدعى باسم الخائن الزاني؟

أعذر فإنك لو أبصرتها لجرت = منك الأماني على تمثال إنسانِ

وسوف تأتيك شمسٌ لا يعدلها = عند البريَّة من إنس ومن جانِ

حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت =أقول ذلك في سرٍّ وإعلانِ

لولا الخليفة، ما طلقتــها أبـدا حتى أُضم في لــحــدٍ وأكفــــان

فلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه، قال: لقد أحسن في الطاعة، ولكن أطنب في ذكر الجارية! ولئن كانت أعطيت حسن النَّغمة مع هذا الوصف الحسن فهي أكمل البرية! فأمر بإحضارها، فلما مثلت بين يديه، استنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاماً وأكملهم شكلاً ودلالاً. فقال: يا أعرابيّ، هذه سعدي! ولكن هل لك عنها من سلوة بأفضل الرغبة؟ قال نعم، إذا فرَّقت بين رأسي وجسدي! فقال: أعوّضك عنها يا أعرابيّ بثلاث جوارٍ ومع كل واحدة ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهنّ. فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات.فقال له: ما بالك يا أعرابيّ؟ قال: أشرُّ بال وأسوأ حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فعند من أستجير من جورك؟ ثم أنشأ يقول:

لا تجعلني والأمثال تضرب بي = كالمستغيث من الرَّمضاء بالنارِ

أردد سُعدى على حيران مكتئبٍ = يُمسي ويصبح في همٍّ وتذكارِ

قد شفَّه قلقٌ ما مثله قلقٌ = وأسعر القلب منه أيّ إسعارِ

كيف السُّلوُّ، وقد هام الفؤاد بها = وأصبح القلب عنها غير صبارِ؟

فلما فرغ من شعره، قال له معاوية: يا أعرابي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: إنك مقرُّ عندنا أنك قد طلقتها، وقد بانت منك ومن مروان، ولكن نخَيِّرها بيننا. قال: ذاك إليك يا أمير المؤمنين. فتحول معاوية نحوها ثم قال لها: يا سعاد أيُّنا أحب إليك: أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره، أم مروان في غصبه واعتدائه، أم هذا الأعرابي في جوعه وأطماره؟ فأشارت الجارية نحو ابن عمها الأعرابي، ثم فأنشأت تقول:

هذا، وإن كان في فقرٍ وإضرارِ = أعزُّ عندي من قومي ومن جاري

وصاحب التَّاج أو مروان عامله = وكلِّ ذي درهمٍ عندي ودينارِ

ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدرات الأيام! وإن لي معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى! والله إني لأحق من الصبر معه بالضراء كما تنعَّمت معه بالسرَّاء! فعجب معاوية ومن معه من جلسائه من عقلها وكمالها ومروءتها، وأمر لها بعشرة آلاف درهم

فهذا هو الوفاء الذي أصبح عملة نادرة هذه الأيام وإلى لقاء آخر بحلقة قادمة والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله.

Share