Skip to content

Tayseer Alfalah Blog Page

لا تحقرن من المعروف أصغره

5 min read2 views

نبدأ بقصة حقيقية حدثت منذ عقود مضت في اسكتلندا تجسد المعنى الحقيقي لـ – لا تحقرن من المعروف أصغره إن البعوضة تُدمي مُقلة الأسد.

فلمنج: الرجل الذي صادف المجد

الفصل الأول: مزرعة في آيرشاير

في السادس من أغسطس عام 1881، وعلى بعد أميال قليلة من قرية دارفيل في منطقة آيرشاير باسكتلندا، وُلد طفل في مزرعة تدعى “لوخفيلد”. كانت المزرعة فقيرة، أرضها صخرية، ورياح المحيط الأطلسي تضربها بلا رحمة. في هذا المكان، حيث يعيش الإنسان على ما تنتجه الأرض، نشأ ألكسندر فلمنج، الثالث لأبيه هيو فلمنج، وهو مزارع أمضى عمره في كفاح الأرض.

لم تكن طفولة فلمنج طفولة رفاهية. كان يستيقظ مبكراً، يساعد في رعي الأغنام، ويحمل الماء من البئر. لكن الريف، بقسوته، منحه عينين ثاقبتين: عيناً تلاحظ التفاصيل، وعقلاً يطرح الأسئلة. كان الطفل يرى كيف تذبل النبتة، وكيف تموت الشجرة، وكيف تشفى جرح الحيوان. لم يكن يعرف أنه يتدرب على ما سيغيّر تاريخ البشرية.

في السابعة من عمره، فقد والده. وهنا، تغيّرت حياة الأسرة. تولى الأخ الأكبر، هيو، إدارة المزرعة، بينما انتقل ألكسندر إلى مدرسة القرية، ثم إلى أكاديمية كيلمارنوك. كانت الأسرة فقيرة، لكنها أصرّت على تعليم أبنائها. وفي الثالثة عشرة، انتقل ألكسندر إلى لندن، حيث كان يعيش أخوه توم، ليكمل تعليمه.

في لندن، واجه فلمنج واقعاً آخر. المدينة لا ترحم، والمال لا يكفي. عمل في مكتب شحن بحري، يرتّب الأوراق ويسجّل البضائع. كانت وظيفة رتيبة، لكنها أمّنت له دخلاً. وفي عام 1901، توفي عمه جون، وترك له مبلغاً صغيراً من المال. كان المبلغ كافياً لبداية، لكنه لم يكن كافياً لدراسة الطب.

لكن فلمنج قرر. ترك مكتب الشحن، والتحق بمدرسة مستشفى سانت ماري الطبية في لندن. كان التخصص الذي يريده هو الجراحة، لكنه التحق بنادي الرماية. وكان قائد الفريق حريصاً على بقائه، فrecommended له أن يبقى في المستشفى للتدريب مع البروفيسور ألمروث رايت، رئيس قسم البكتيريا. وهكذا، وبمحض الصدفة، دخل فلمنج عالم البكتيريا، الذي سيصبح اسمه مرادفاً له.


الفصل الثاني: الحرب والملاحظة القاتلة

بعد تخرجه بامتياز في عام 1906، بدأ فلمنج مسيرته البحثية. لكن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) كانت على الأبواب. خدم فلمنج كقائد في الفيلق الطبي بالجيش، وعمل في مستشفيات ميدانية في فرنسا.

وهنا، رأى فلمنج ما لم يره أحد من قبل. كان الجرحى يملؤون الخيام، جروحهم ملوثة، والغرغرينا تنتشر كالنار في الهشيم. كان الأطباء يستخدمون المطهرات، لكن فلمنج لاحظ شيئاً صادماً: المطهرات كانت تقتل البكتيريا، لكنها في الوقت نفسه كانت تقتل أنسجة الجسم، وتؤخر الشفاء، بل وتسبب الوفاة في كثير من الحالات.

قال لزملائه: “نحن نقتل المريض لنقتل الميكروب.”

في تلك اللحظة، وُلدت فكرة في ذهن فلمنج: يجب إيجاد مادة تقتل البكتيريا دون أن تضر الأنسجة البشرية. مادة تكون “سلاحاً سحرياً” ضد العدوى.

بعد الحرب، عاد فلمنج إلى مختبره في سانت ماري. كان رجلاً هادئاً، قليل الكلام، لكنه ملاحظ بارع. في عام 1921، كان يعاني من زكام، فسعل على طبق يحتوي على بكتيريا. لاحظ أن البكتيريا تذوب في المكان الذي سقط فيه المخاط. اكتشف مادة في الدموع واللعاب قادرة على قتل بعض البكتيريا، وأسماها “الليسوزيم” (Lysozyme).

كان اكتشافاً مهماً، لكنه لم يكن كافياً. الليسوزيم كان ضعيفاً، ولم يكن فعالاً ضد البكتيريا الخطيرة. كان فلمنج يعرف أن ما يحتاجه العالم هو شيء أقوى.


الفصل الثالث: العفن الذي غيّر التاريخ

في صباح أحد أيام سبتمبر عام 1928، دخل فلمنج مختبره في سانت ماري. كان يعمل على فيروس الإنفلونزا، وكان قد ترك أطباق البكتيريا مكدسة قبل أن يذهب في إجازة. كان فلمنج معروفاً بفوضويته في المختبر، إذ كان يترك الأطباق أحياناً لأسابيع دون تنظيف.

في ذلك الصباح، لاحظ شيئاً غير عادي. أحد الأطباق كان ملوثاً بعفن أخضر، وحول هذا العفن، كانت البكتيريا قد ذابت. لم تكن البكتيريا قد ماتت فقط، بل كانت قد تحللت بالكامل.

توقف فلمنج. أخذ الطبق، وفحصه بعناية. كان العفن من نوع Penicillium. لاحظ أن المادة التي يفرزها العفن قادرة على قتل البكتيريا، لكنها لا تضر الأنسجة البشرية. كان هذا هو “السلاح السحري” الذي بحث عنه في الحرب.

أسماها “البنسلين” (Penicillin).

لكن الفرحة لم تدم. فلمنج حاول تنقية المادة، لكنه لم يستطع إنتاجها بكميات كافية. كان البنسلين غير مستقر، ويتحلل بسرعة. نشر اكتشافه في عام 1929 في مجلة “British Journal of Experimental Pathology”، لكنه لم يثر اهتماماً كبيراً. في تلك السنوات، كان الأطباء يبحثون عن علاجات فورية، والبنسلين كان صعباً ومكلفاً.

مرت السنوات. بقي فلمنج في مختبره، يواصل أبحاثه، لكن البنسلين بقي مجرد فضول مختبري. لم يكن هناك من يدرك أن هذا الاكتشاف سيغيّر العالم.


الفصل الرابع: العالمان اللذان أكملوا القصة

في عام 1938، وبعد تسع سنوات من اكتشاف فلمنج، جاء عالمان من جامعة أكسفورد: هوارد فلوري، أسترالي، وإرنست تشين، ألماني من أصل يهودي. كانا يبحثان عن مواد مضادة للبكتيريا، فقرآ ورقة فلمنج القديمة.

قررا دراسة البنسلين. لكنهما واجها مشكلة: كيف يمكن تنقيته وإنتاجه بكميات كافية؟

عمل فلوري وتشين بلا كلل. في عام 1940، نجحا في تنقية البنسلين، وفي عام 1941، نُشرت أولى النتائج السريرية: مريض كان يحتضر بسبب عدوى، أُعطي البنسلين، فشُفي.

لكن الحرب كانت مشتعلة. بريطانيا كانت تحت القصف، ومصانع الأدوية كانت مشغولة بالإنتاج الحربي. فقرر فلوري وتشين السفر إلى الولايات المتحدة، حيث أقنعا الحكومة الأمريكية بتمويل الإنتاج الواسع.

في عام 1943، بدأ الإنتاج الضخم للبنسلين. وفي عام 1944، ومع إنزال النورماندي، كان البنسلين متاحاً لعلاج الجنود الجرحى. أنقذ البنسلين آلاف الأرواح في الحرب، ثم ملايين بعدها.


الفصل الخامس: التتويج

في عام 1945، حصل السير ألكسندر فلمنج، مع هوارد فلوري وإرنست تشين، على جائزة نوبل في الطب لاكتشاف البنسلين وإنتاجه. كان فلمنج قد أصبح أشهر عالم في العالم. لكنه، كما عرفه من قرب، بقي هادئاً، متواضعاً، لا يحب الأضواء.

في حفل نوبل، قال فلمنج كلمات بسيطة: “الطبيعة تصنع البنسلين، وأنا فقط لاحظته.”

وقد سُئل عن قصة إنقاذ تشرشل، التي انتشرت في الأربعينيات، فأجاب بابتسامة: “إنها حكاية جميلة، لكنها ليست حقيقة.” كان فلمنج يعرف أن المجد الحقيقي ليس في الأساطير، بل في العمل اليومي، في الملاحظة الدقيقة، في الصبر الطويل.

توفي فلمنج في 11 مارس 1955، ودُفن في كاتدرائية القديس بولس في لندن. لكن إرثه لم يمت. البنسلين، الذي اكتشفه بالصدفة، أنقذ أكثر من 200 مليون إنسان. وهو اليوم واحد من أهم الأدوية في تاريخ البشرية.


خاتمة: دروس من حياة فلمنج

  1. الصدفة لا تكفي: فلمنج لاحظ العفن، لكن آلاف غيره مروا على نفس المشهد دون أن يلاحظوا. العقل المستعد هو ما يلتقط الصدفة.
  2. الصبر: انتظر تسع سنوات حتى يجد من يكمل عمله. لم يستعجل المجد.
  3. الأصل المتواضع ليس عائقاً: من مزرعة فقيرة في اسكتلندا، إلى جائزة نوبل.
  4. العلم تراكمي: فلمنج بدأ، فلوري وتشين أكملوا، والعالم استفاد.
  5. التواضع: رغم شهرته، بقي فلمنج بسيطاً، يعرف أن الفضل لله ثم للطبيعة.

وهكذا، فإن البعوضة قد تُدمي مقلة الأسد، لكن العقل الذي يلاحظ البعوضة هو ما يغيّر التاريخ.

وإلى لقاء آخر بحلقة قادمة والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله.

Share