Skip to content

Tayseer Alfalah Blog Page

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت

5 min read2 views

“ ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لن تُفرج “

نبدأ بقصة واقعية فيها العبرة وتجسد معنى- ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لن تفرج، حدثت هذه القصة في ربوع السعودية قبل مئة وخمسين عاماً تقريباً،

كان هناك رجلٌ غنيٌّ يملك من الابل الكثير وذات يوم في سنة كان فيها الشتاء كثير المطر والخير وافر والأرض مُخضرة والابل في أحسن حال وبينما كان يتفقد إبله لفت نظره ناقة وابنها وكان حليب الناقة يكاد يتدفق من ضرعها من كثرة الحليب فأعجبته هذه الناقة وتذكر الآية الكريمة بسورة آل عمران الآية 92 : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ، وتذكر أيضاً جاراً له مسكين وفقير الحال وله سبع بنيات وعندها أخذ الناقة وابنها وذهب بهما إلى جاره وقرع عليه الباب ففتح الجار الباب وعندها ألقى عليه السلام قال له إني أحببت أن أهديك يا جاري العزيز هذه الناقة وابنها وعندها لم يمتلك الجار المسكين نفسه من شدة الفرح وشكره على ذلك،

وانصرف من عنده، ومرت الأيام وجاء فصل الشتاء ولكن كان ممحلاً لا مطر فيه حتى تشققت الأرض من الجفاف وعندها جمع الرجل الغني أبناءه الثلاثة عندما اشتد الحال ونفد الماء فقال لهم هيا بنا لنذهب في الصحراء لنبحث عن الاضحال لجلب الماء والضحل معروف لسكان البادية وهو عبارة عن حفر وتجاويف في الصحراء تؤدي إلى مسارب مائية تحت الأرض يذهب إليها الأعراب من أجل جلب الماء.

وعندما ذهبوا وبعد ساعات من المسير والبحث توصلوا إلى مكان ضحل بالصحراء فقال الأب دعوني أدخل وأحضر الماء وأنتم انتظروني هنا حتى أرجع بالماء، فنزل بالضحل ولكنه لم يرجع وكان أولاده والعياذ بالله ينتظرون وفاته لكي يقتسموا الميراث فيما بينهم (اللهم عافينا من عينٍ لا تدمع ونفسٍ لا تشبع قولوا اللهم آمين)، فبعد الانتظار لعدة ساعات خارج الضحل ينتظرون عودته حتى أشرف الليل قال أوسطهم دعونا نذهب لعل ثعباناً لدغ أبانا ومات وقال أكبرهم مثل ذلك وقال أصغرهم وكان أفضلهم دعونا ننتظر لغد ولكن لم يوافقوه الرأي ورجعوا إلى ديارهم وبعد أيام بدؤوا بتقسيم الميراث ولكن أوسطهم قال لهم انتظروا أتذكرون الناقة التي أهداها أبانا مع ابنها إلى جارنا إنه لا يستحقها دعونا نذهب إليه ونأخذها وابنها منه ونعطيه هذا الجمل الاجعف عوضاً عنها. فذهبوا إليه وطرقوا الباب وقالوا له نريد الناقة وابنها التي أعطاك إياها أبانا وخذ هذا الجمل عوضاً عنها فقال لهم سأشتكيكم إلى أبيكم فقالوا له اذهب واشتكِ فإنه قد مات فصعق مما سمع وقال مات كيف مات ومتى مات ولم لم تخبروني بذلك فقالوا له ذهب معنا لكي نجلب الماء ونزل إلى ضحل ولكنه لم يخرج منه فقال لهم دلوني إلى مكان ذلك الضحل وخذوا الناقة وابنها ولا أريد جملكم هذا ايضا،

فقالوا له لك ما شيءت وذهبوا معه إلى مكان الضحل وتركوه ولكنه أحضر معه حماره وجلب معه حبلاً وتمراً فربط الحبل خارج الضحل ونزل بالضحل ولكنه عندما نزل بالضحل تشعبت به الطرق ولم يجد شيئا وقبل الخروج شم رائحة الماء والرطوبة فتوجه إليها وبدأ يتحسس الماء كونه لا يرى شيئاً لعدم وجود الضوء والمكان مظلم لا يرى فيه شيئاً وبدأ بتحسس المكان فلامست يده الطين مرة والماء مرة أخرى وبعدها وإذ به يلامس وجه الرجل وتلامس يده أنفاسه وإذا به حي يتنفس  فقام بعصب عينيه (وللعلم فهذا من فطنة وذكاء الإعراب لكي لا تنبهر عيناه عند إخراجه للضوء فيفقد بصره،

ذكاء .. فطنة.. فراسة هؤلاء هم أجدادنا ونعم الأجداد ولكن لا تقل كان أبي بل قل من سأكون والله عند حسن ظن العبد ما دام العبد عند حسن ظنه بالله اللهم أحسن ظننا بك واجعلنا سبباً لمن اهتدى وعوناً لكل محتاج قولوا معي اللهم آمين) وبدأ بالخروج مستعينا بالحبل ليدله على طريق العودة إلى خارج الضحل وعندما خرج قام فمرس له التمر واسقاه (وللعلم فهذه أيضاً من الفطنة والذكاء لأن مرس التمر شراب وطعام وغذاء كون الرجل لم يأكل لعدة أيام)  ثم وضعه على الحمار ورجع به إلى البيت وقام على خدمته لعددة أيام والرجل يتنفس وهو يمرس له التمر ويسقيه ويقوم على خدمته ولكنه فاقدٌ للوعي وبعد أيام رجع الرجل لوعيه فقال له الجار بالله عليك مكثت بالضحل عدة أيام دون طعام أو شراب ولم تمت!..

فقال له سأروي لك حديثاً عجباً عندما نزلت إلى الضحل تشعبت بي الطرق ولم أعرف طريق العودة فقلت لنفسي آوي إلى مكان الماء فإذا عطشت أشرب حتى يأتي الله بالفرج ولكن الجوع لا يرحم وعندما أخذ الجوع مني كل مأخذ ألقيت نفسي على الأرض وفوضت أمري إلى الله وبعد يوم وبينما أنا كذلك وإذ بإناء من اللبن يقترب من فمي واشرب حتى ارتوي وكان يراودني باليوم ثلاث مرات ولكنه منذ يومين لم يأتِ ولا أدري ما سبب انقطاعه

فقال له الجار أنا أخبرك بسبب انقطاعه إن الله كان يسقيك من لبن الناقة التي أهديتني إياها ومنذ يومين أتى إليّ أبناؤك وأخذوها مني فانقطع عنك اللبن وكانوا يريدون إعطائي بدلاً منها جملاً أجعف وقالوا لي بأنك قد مت وعندما سألتهم متى وكيف قالوا لي عن الضحل فقلت لهم دلوني عن مكان الضحل وخذوا الناقة وابنها وجملك هذا لا أريد منكم شيئاً وذهبت لمكان الضحل ونزلت به ووجدتك وأخرجتك منه وأتيت بك إلى هنا، فقال له إني أعاهد الله على أن أقسم مالي نصفين نصف لي ونصف لك وانصرف وعندما حضر لأولاده تفاجؤوا لرؤيته حياً وقالوا له أبتا أبتا كيف حالك فرحنا لعودتك، فقال لهم اخسؤوا جميعاً (منافقين لا تعجبوا أبداً عندما قال الله في كتابه المنير بسورة النساء آية 145: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)، فقال لهم اخسؤوا جميعاً إني قد عاهدت الله على أن أقسم مالي نصفين نصف لي ونصف لجاري .

وهكذا هي الحياة ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لن تفرج، وإلى لقاء آخر بقصة قادمة والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله

Share