انتقل إلى المحتوى

مدوّنة تيسير الفلاح

علم تفصيل الكتاب (ج1-ح1): ومضات عن لسان القرآن العظيم

15 دقيقة قراءة1 مشاهدة

– الجزء الأول “علوم علم تفصيل الكتاب” – الحلقة الأولى

مقدمة بومضات عن لسان القرآن العظيم

(لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)

لكن قبل البدء تذكيراً بالنقطة المهمة جداً والتي ذكرتها بالتمهيد لمن يبحث عن الحق بحق فعليه الاستماع للحلقات السابقة عدة مرات حتى يعقلها ويعلمها ويتبينها!

لأنني حاولت جاهداً تطبيق ما تعلمته على مدار السنين من تدبر القرآن العظيم في عدم وضع أي كلمة إلا بعد إحكامها وتفصيل بيانها!

فحضرني ما جاء بسورة الرحمن: الرحمن، علم القران، خلق الانسان، علمه البيان! نعم علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان لكشف بيانه بعقله لكشف تفصيله وليس ببيانه بتفسيره وتأويل واختراع بيانه!

إيماناً ويقيناً بـ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. و(19): “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ”!! وليس كما فُهمَت خطأ وكأن الله يقول في هذه الآية “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْكم بَيَانَهُ”!!

وسنأتي لاحقاً بترتيل هذه الآيات مع سياقها تفكراً وتدبراً بكل كلمة وحرف لعدم الإطالة هنا ابتداءً! ولما ذكرت آنفاً للتدرج في اللفظ والعقل والبيان والعلم والتبيان! فلا تستعجلون!

وكما أشرت فإن عنوان هذا الجزء هو: علوم علم تفصيل الكتاب! وسننوه هنا فقط قبل البدء بذكرها لأننا سنأتي لها بحلقة لاحقاً فلا تستعجلون! فتتكون من ثلاث مجموعات من  العلوم هي:

 أولاً: العلوم الأساسية وتتكون من: علم التفكر وعلم الترتيل وعلم التدبر.

 وثانياً: العلوم المساندة وتتكون من: علم رسم كلمات القرآن العظيم! وعلمي صرف وقراءة لسان القرآن العظيم المبين وغير ذي العوج! ولعقلهما نستعين بما نطلق عليهما علم القراءات وعلم الصرف في اللغة العربية!

وثالثا: العلوم المستأنس بها وتتكون من: علم اللغة العربية وعلوم التراث والحديث وذلك من أجل عقل علم تفصيل الكتاب وليس من أجل بيانه! لأن بيانه كما ذكرت وكررت سابقاً يأتي من القرآن العظيم! ولكن إذا وافقت ما جاء بالقرآن العظيم ولم تتعارض معه فنقر بها ولا ننكرها! فأكرر: فنقر بها ولا ننكرها وتذكروا ذلك جيداً ولا تستعجلون!

ويحضرني هنا ما جاء عن الحافظ ابن كثير في تفسيره وكذلك مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية! فقالوا «إنَّ أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة» فأرد قائلاً لهم: إنه لم يُعيِني أبداً! كيف لا! فحضرني ما جاء بالقمر للآية التي تكررت أربع مرات ” وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” نعم فلو أيقنا بها وعلمنا لماذا تكررت فقط ثم فقط ثم فقط لهدتنا وأسجدتنا وركعتنا وعكفتنا نصل الليل بالنهار تفكراً وترتيلا وتدبراً بالقرآن العظيم لعقله وكشف بيانه! لأتانا تفصيله من داخله! وعندها لأيقنا ووقفنا عند أصح الطرق! لتفَسير القرآن بالقرآن!

وسنبدأ الجزء الأول ببضع حلقات نلقي بها الضوء على ما قيل بشأن القرآن العظيم! وسنبدأ الحلقة الأولى هذه بلمحة عن لسان القرآن العظيم تذكيراً بما جاء بسورة النحل103وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ!!

وستكون هذه الحلقة كمقدمة من باب التفكر لما أولوا وفسروا وجاؤوا به من الأقوال والآراء!

ثم نبدأ بطرح الأسئلة والعصف الذهني من باب التفكر فقط! لأنه وكما بينت بالتمهيد والمقدمة فإن الجواب على أي سؤال لا يأتي إلا من التدبر من القرآن العظيم ومشروط بعدم الإتيان بأي زيادة أو نقص من الكيس أو الجعبة!  لا ولا حتى بكلمه! لا ولا حتى بحرف! لا ولا حتى بصرف! مع إقامة وزنه بالقسط! دون نقص! أو خْسرٍ! أو طْغَيٍ في الميزَانَ! 

 فتساءلت أولاً عن رسم لسان القرآن للأحرف التي تم بها كتابة النص القرآني: فهل هي الأحرف العربية! أم لها علاقة بأحرف أو بعض الكلمات الآرامية أو السريانية كما ظنوا وزعموا! أم أن ما شُبّه عليهم من كلمات له علاقة ببعض ما جاء بالتوراة والإنجيل! كون التوراة والإنجيل والقرآن أُنزلت من عند الله!

فتساءلت ما حقيقة زعمهم هذا! وهل فعلاً قصدوا بذلك البحث عن الحق بحق! وإن كانوا كذلك! فهل تدبروا التوراة والإنجيل بحق! وهل أمروا كما أمرنا بالتدبر!

 فحضرني ما جاء بسورة المائدة – 68قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ!

فقبل الإجابة نبدأ بإلقاء الضوء على اللغــات الســامية والتي تشمل العربيــة والآرامية والســريانية والعبريــة والحبشــية وما تفرع منهن، وللعلم هنا فإن العربيـة هـي اللغـة السـامية الوحيـدة التـي يبلغ عدد حروفها ثمانيـة وعشـرين حرفـاً هـو نفسـه عـدد حـروف اللغـة السـامية الأم كما ادعوا أيضاً!

فلذلك يقول الكثير منهم بأنها هي اللغـة السـامية الأم، لأنه غابت منها سـتة أحـرف من الآرامية والسريانية والعبريـة وهي: ذ، ث، ظ، ض، خ، غ! وللعلم أيضا فمخـارج حـروف اللغـة العربيــة تستوعب أصوات حروف الجهاز الصوتي كله،

وتتوزع مخارج حـروفها توزيعــاً متناســقاً علــى مســاحة واســعة تبدأ من الشفاه إلى أقصى الحلق والحنجرة.

وللتذكير هنا أيضا فإن أغلــب كلمــات اللغــات الســامية مشــتق مــن جــذر ثلاثــي للكلمة. يتكــون الجذر مــن ثلاثــة حـروف صـامتة بحيث يكـون الاشـتقاق منـه لتكوين الكلمـات باسـتخدام الحركـات أو الحـروف المتحركة أو الصامتة، أو بالزيادة على الأصل!

 لأن أصل الكلمة أو ما يطلق عليه (جذرها) في اللغات السامية هو الفعل وليس الاسم! فهي إذن لغات فعلية، فمن الفعل تتكون الجملة وله يخضع الاسم! وكذلك به يرتبط الضـمير!

وللعلم أيضا فإن أغلـب الجـذور ثلاثيـة! ولا تزيد عن ثلاثة حروف إلا نادراً! ومثالٌ على الجذر الثلاثي (كتب)! ومثالاً على الرباعية: زخرف، ودحرج!

 وتساءلت هنا متعجباً لماذا هناك بعض الكلمات في اللغات السامية غير العربية طبعاً كالسريانية والعبرية، أتت هذه الكلمات جامدة على صورة واحدة! والأغرب أتت لا جذور لها تحمل معناها! وفي المقابل وما يثير الفضول توجـد جـذور لهـا فـي العربيـة! وهـذا يعنـي بالضرورة الرجوع للغة العربية لفهم الأصول التي اشتقت منها هذه الكلمات وليس العكس!!

وللبحث أكثر هنا فيتطلب ذلك بحثاً من أولي الألباب في هذا التخصص.

ونرى أن اللغة العربيــة وبــاعتراف المحققــين المنصفين هي أقدمهن حقيقة وأغناهن رغم ما يشاع ويدعى بأن الآرامية والسريانية هي الأصل! تماشياً مع ما زعم الأولون بأن القـرآن العظيم تم تـأليفه مـن مصـادر ســريانية أو آراميـة أو عبرية!

 كالحبر اليهـودي الألمـاني أبراهام جيجر! Abraham Geiger وأمثاله الــذين وضعوا في أذهانهم أهدافاً لا دليل عليها، وابتكروا أسلوباً دعامته التنقيب عـن كلمـات فـي القــرآن وعزلهــا عــن ســياقها! والإتيان بكلمـات تشـبهها صـوتياً وأحيانا لا تشـبهها مطلقـاً! مـع التلاعـب بحروفها لتقريبها للكلمـات فـي القــرءان!

ثـم زعموا أن أصول هذه الكلمات موجودة في العبريـة أو الآراميـة أو السـريانية!!! وللتذكير على غرار ما وجدناه من الإسرائيليات في بعض كتب التفاسير للقرآن للأسف الشديد!

ولإعطاء مثالٍ على بعض هذه الأسماء والمصطلحات الدينية التي زعموا فنذكر: فرعون، مسيح، قسيس! وكذلك بعض الكلمات التي تشابهت عليهم من خلال الإملاء وزعموا بالتأثير السرياني مثل: حيوة (ل حياة)، صلوة (ل صلاة)، زكوة (ل زكاة)،

وكذلك أيضًا ما جاء بخصوص حذف الألف عند وقوعها في وسط الكلمة مثل في: الرحمن ومساجد!  وكذلك كما في إسحاق وإسماعيل فإنها كتبت في خط المصاحف بدون ألف.

وكذلك ما جاء في حذف الألف من ضمير الجمع للمتكلم في «بشرناه» و «اصطفيناه» فكتبت في خط المصاحف، «بشرنه» و «اصطفينه».

وعليه فأقول: فإن أشكل هذا عليهم فذلك أولاً: لأنهم كانوا يحتكمون إلى لسان العرب ذي العوج غير المبين! وليس إلى لسان القرآن المبين غير ذي العوج!

وثانياً: سنأتي لبيان هذا في الجزء الثاني والثالث! فلا تستعجلون!

ولكن نكتفي بضرب مثال لتفنيد زعمهم على ما ادعوه لكلمة (إســتبرق)! فقـد فسـروها بالـديباج الغلـيظ علـى أن هـذا معنـى (اسـتبره) بالفارسـية التـي توهمـوا أنهـا أصـل لكلمة (إســتبرق)، فالصـواب فـي إسـتبرق أنها على وزن استفعل! ومأخوذة من البـرق! وأصلها برق! الـذي يـدور معنـاه حـول الظهـور واللمعـان والبريـق، لأن كلمـة إســتبرق تصـف الرفاهـة والنعـيم لحـال أهـل الجنـة!

وبالمقابل فالغلظة ليست من علامات الرفاهة والتنعم في الثياب عموماً، بـل علـى العكـس فإن علامة الرفاهة والتنعم تكمن في الرقة والشفافية والبريق وليس في الغلظة والثقل!!

وللعلم هنا فهذا فقط للاستئناس به لعلنا نعقل! لأن البيان يأتي من القرآن العظيم! والامثلة كثيرة! ولكن من لديه حب الفضول للاطلاع على المزيد لما قيل عن القرآن واللغات السامية فليقرأ مثلاً إن شاء كتاب:

تفسير القرآن بالسريانية دسائس وأكاذيب” للدكتور بهاء الأمير.”

وسأضع رابطه بصندوق الوصف.

علماً بأن القرآن إذا تدبرته بحق يهديك إلى الرشد ويكفيك! تذكيراً بـ: إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً! وثم إن علينا بيانه! ولكن هذا فقط للتفكر والعصف الذهني! لأن بيانه في القرآن العظيم لقوم يعلمون وبآيات الله يوقنون!

تذكيراً بالأنعام – الآية 105وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ! والسجدة – الآية 24وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ!  وسنأتي لكل هذه الآيات لتوضيح هذه التساؤلات بالجزء الثاني والثالث!! فلا تستعجلون!

ولكن لتوضيح ما زعموا وبدأوا بـه مـن اخـتلاق أن العربيـة لهـا جـذور فـي الآرامية أو السـريانية، فإن المستشـرق اليهـودي ديفيد صموئيل مارغوليوث David Samuel Margoliouth أســتاذ العربيــة فــي جامعــة أكســفورد مشى على خطاهم بدراسته التي نفى فيها وجود الشـعر الجـاهلي!

حيث تم نشـر دراسته فـي مجلـة الجمعيـة الملكيـة الآسـيوية سـنة ١٩٢٥م، وكـان عنوانهـا:

أصـول الشـعر العربـي

 (The Origins of Arabic Poetry) .

وبعد نشرها بعام في سنة 1926! فإن فحوى هذه الدراسة جاء بها أحـد كبـار رجال الأدب العربي فـي مصـر، وقال إنـها مـن بنـات أفكـاره، وهـو الـدكتور طه حسين فـي كتـابه ” الشعر الجاهلي”:

 ثم اضطر إلى إعادة طباعة الكتاب بعنوان جديد هو «الأدب الجاهلي» بعدما رفع منه الفصول التي أثارت الرأي العام

وذلك بعد الانتقادات والضجة التي أحدثها الكتاب!

وللعلم هنا فإن ما ادعاه في كتابه أن ما تقرؤه من الشعر على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة أو غيرهم من شعراء الجاهلية ليس لهم في شيء،

وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنع النحاة أو تكلف القصاصين أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين.

وأن هذا الشعر لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن. وأنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن على تفسير هذا الشعر وتأويله!

فتساءلت هل كل ما ذهبوا إليه عن اللغة العربية والشـعر الجـاهلي صحيح! أم لا! أم أن بعضه على حق! ولكن أريد به باطل! فللإجابة على هذه الأسئلة بالتحديد والتفصيل علينا البحث المستفيض! لأن هذا الموضوع لم أُشبعه بحثاً!

ولكن للإجابة على هذه الأسئلة لما ظهر وبان لي خلال مسيرتي في تدبر القرآن العظيم بالعموم وليس بالتفصيل هو الآتي!

فأولاً إن وافقتهم فيما جاؤوا به هؤلاء جميعاً بنفي وجود الشـعر الجـاهلي! فهذا يؤدي إلى نفي كون القرآن نزل عربياً! للوصول بأن القرآن من أصول غير عربية ومن كتب السابقين ليعيدوا ما بدأ به أسلافهم!

 فحضرني ما جاء بسورة الفرقان – الآية 5وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا!  فنقول بل ظنوا وكذبوا! ولكن في المقابل: هل هذا الشـعر الجـاهلي يثبت لنا شيئاً أو يدل على شيء! أو ينبغي أن نتخذه وسيلة للاستشهاد به لتفسير لسان القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين! والذي أنزله الله بعلمه!

 فحضرني ما جاء عن الشعر بالعديد من الآيات، وأبدأ بسورة الحاقة – 41وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ! يس – 69وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ!

نعم: فالقران ليس بقول شاعر وليس بشعر! وقد بين وفرق الله بين الشعر والشاعر! فطهر القرآن والكتاب من الشعر! وطهر رسوله من أن يكون شاعراً أو أنه عُلم الشعر أيضاً! ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين!

ولكن تساءلت هل من فئة من الشعراء استثناهم الله؟

 فحضرني ما جاء أيضاً بسورة الشُّعَرَاءُ – (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ!

إذن فإن الله بين أن القرآن والكتاب ليس من الشعر في شيء! ومع ذلك فقد أشكل على البعض ما استثناه الله من الشعراء من آمن منهم وعمل الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا!!

فبرروا بذلك استشهادهم بالشعر الذي أكد الله أن القرآن ليس بشعر! وما علم رسوله الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ! ومع ذلك تم الاستشهاد بالشعر! وجعلوه المهيمن على كلمات الله بالقرآن العظيم!

 فأقول بل كلمة الله هي العليا! والكتاب مهيمنٌ على ما يقولون ويُشعرون ويَشعرون! وما يظنون ويؤوّلون ويمكرون! 

وفي المقابل تساءلت: هل فعلاً أن بعض هذه الأشعار تُكلف واختُرع اختراعاً ليستشهدوا بها على ما أرادوا تأويل القرآن به! وهل هذا هو الحق الذي ظهر من هذا المكر الذي أرادوه بفصل القرآن عن اللغة العربية من حيث لا يشعرون!!

فنقول نعم.. وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ! وَمَا يَنبَغِي لَهُ! إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ!

فالله المستعان على ما يمكرون! لأنك إذا استعجلت بالحكم وعارضت أو أيدت بالكلية ما ذهبوا إليه دون أن تتبين! وقعت بمكرهم!

فأولاً: إن أيدت بالكلية! فقد فصلت القرآن عن العربية! وكأن القرآن نزل وجعل سريانياً أو آرامياً وليس عربياً سبحان الله عما يصفون!

وثانياً: إن عارضت بالكلية! استُشهد بالشعر على القرآن العظيم! نعم وقعت بمكرهم الذي تكاد أن تزول منه الجبال!

فحضرني ما جاء بسورة إبراهيم – 46وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، وحضرني هنا أيضا ما جاء بسورة الأنفال – الآية 30وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ!

 فتساءلت متعجباً كيف! ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ! فأولاً: ما تبين لي من تدبر القرآن العظيم أن معنى مكر بلسان القرآن المبين غير ذي العوج ليست بالمعنى السلبي الذي يتبادر لأذهاننا بلساننا العربي ذي العوج غير المبين!

وسنأتي لبيانها بالجزء الثالث عند التدبر بها فلا تستعجلون!

وثانياً تساءلت لكن كيف وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ! فللإجابة سأضرب مثلاً عن الجانب الآخر المضيء بنور الله والذي لم ينتبه إليه البعض! وهو ما نراه هذه الأيام من مكر للترويج للحرية ولا أقصد الحرية الهادفة والمبصرة! بل الحرية المفرطة العمياء الدهماء! التي نلمس أثرها المقصود لخلع الأجيال الشابة من القيم والأخلاق والإلقاء بهم إلى الإلحاد والضياع!

ولكن في نفس الوقت فإن الجانب الآخر المضيء بنور الله الذي لا يراه البعض من هذا المكر هو أن هذه الأجيال نفسها تصبح لا تقتنع بسهولة لما ألفت عليه آباءها وتكسر القيود التي تحجبهم عن تقبل الحق إلا ببرهان واقتناع!

 وهذا انتبهوا… كان الحائط والسد الذي حال بين الأمم السابقة وتقبلها للحق من الرسل! تذكيراً لما جاء بالعديد من الآيات: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا! أو: قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا! أو: قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا! دون البحث عن الحق بحق! ولا حتى السؤال المفروض طرحه وهو: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!

نعم وبهذا ينقلب السحر على الساحر! وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ! نعم إلهٌ عظيمٌ! رحيمٌ! حليم بعباده! فحضرني ما جاء بسورة  الزمر – الآية 7إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ!

نعم إلهٌ عظيمٌ! رحيمٌ! حليم بعباده! فهذا الجانب الآخر المضيء بنور الله الذي لا يراه البعض لكسر القيود التي تحجبهم عن تقبل الحق بسهولة ويسر! لاتِّبَاع مَا أَنزَلَ اللَّهُ! والسؤال عن البرهان للتأكد والاقتناع وليس للاتباع بدون برهان ودليل! نعم يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ!

فحضرني ما جاء بسورة التوبة – الآية 32يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ! نعم ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ! وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ! وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ!  وسنأتي لبيان هذه الآيات مع سياقها تفكراً وترتيلا وتدبراً بكل كلمة وحرف بالجزء الثالث فلا تستعجلون!

فتساءلت هل نزل القرآن باللغة العربية! أم عربياً! أي هل نزل بلسان العرب! أم بلِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ! فحضرني ما جاء بسورة فصلت – الآية 44وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ!

النحل – الآية 103وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ! فأقول أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ!! كلا وألف كلا بل: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ!

وتساءلت أيضاً: هل أُنزل القرآن وجُعل سريانياً أو آرامياً وليس عربياً كما زعموا! فحضرني ما جاء بسورة يوسف – الآية 2إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ! وسورة الزخرف – الآية 3إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ! نعم أُنزل وجُعل قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ بلِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ! فسبحان الله عما يصفون!

فتساءلت لماذا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ! وليس لعلكم تتبينون أو تعلمون! وللتوضيح كما وعدتكم سأضرب مثلاً هنا:

 فإذا كنا جميعاً في غرفة مغلقة وطُرق الباب! فسيعقل كل عاقل موجود بالغرفة “وليس كل مجنون بالطبع” بوجود طارق بالباب! ولكن عند التبين لمعرفة هوية الطارق دون فتح الباب يظهر الخلاف والفرقة بين آراء الجميع!

 فمنا من سيقول بأنه رجل ومنا من سيقول بأنها امرأة، وطفل وشيخ وجن وريح وهكذا! ولا نستبين ونعرف ونتأكد إلا إذا قام احدُنا وتبين من لدى الباب!

فعند فتح الباب والنظر إلى من خلف الباب نتبين ونعلم! ولا نختلف ونفترق!

إذن هل تفكرتم لماذا جاء بالقرآن العظيم: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ! وليس لعلكم تتبينون أو تعلمون!  فحضرني الإسراء – الآية 106وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا! فيا ليتنا قرأناه على مكث وتفكرنا لعقلنا! ولتدبرنا لكشفنا بيانه! ولما اتبعنا الظن وأولنا فاختلفنا وافترقنا!

فحضرني ما جاء بسورة القيامة: لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه! نعم إذن: فعلينا قراءته على مكث لعقله وليس لبيانه بلساننا غير المبين ذي العوج! بل لتدبره بإخلاص امتثالاً لما أُمرنا! فيأتينا بيانه! وسآتي لكل ما تلوت وذكرت تفكراً وتدبراً بالتفصيل فلا تستعجلون!

ولكن سنأتي لها رويداً رويداً كما أخبرتكم فحضرني ما جاء بسورة الكهف – الآية 70قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا! نعم وأرجو التريث والصبر وعدم القفز للنتائج! ومن ظن فينا سوءاً فأفوّض أمري إلى الله! فحضرني ما جاء بسورة غافر 44- فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ! 45فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ!!!

وختاما وللعلم هنا أيضاً فقد علمني التدبر أن أكون شديد الحرص والوقوف عند كل كلمة وحرف! وعليه وعطفاً على كتـاب ” الشعر الجاهلي” لطه حسين والذي أطلقوا عليه عميداً للأدب العربي وجعلـوه مـن رواد التجديـد والتنوير وأعـلام حريـة!!

فإنني متحفظ أشد التحفظ على كلمتي (التجديـد والتنوير) ولي منهما كلام كثير لا مجال لبيانه الآن! ولكن ليس لموقفي من الكلمتين من مرادهما الإيجابي! ولكن من مرادهما الذي يتراود للبعض باتباع فكر أو طائفة معينة عند ذكرهما!

لذلك أرجو عدم الإشارة إلى ما أقوم به بكلمتي (التجديـد والتنوير على الإطلاق) ولكن أرجو القول والإشارة إلى الكلمتين اللتين جاءتا بسورة آل عمران – الآية 67مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ!

نعم بل: “حَنِيفًا مُّسْلِمًا” وما أنا من الْمُشْرِكِينَ! وكذلك حضرني البقرة-124وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ!

نعم فلنعم الإمام عليه السلام! وحضرني أيضاً: الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)! نعم مدرسة الرح

من! فهو من علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان!

إذن حَنِيفًا مُّسْلِمًا وما أنا من الْمُشْرِكِينَ! وإبراهيم عليه السلام إِمَامًا! ومدرسة الرحمن للإنسان وعلم البيان! لكشف وبيان بيانه! إيماناً ويقيناً بـ ثم إن علينا بيانه! وليس كما فُهمت خطأً وكأن الآية جاءت: ثم إن عليكم بيانه!

شارك المقال