Skip to content

Tayseer Alfalah Blog Page

نظريتي عن فن الحوار

4 min read2 views

– الحكمة ضالة المؤمن – ج5|ح2

استناداً إلى الحلقة السابقة وبعد الاطلاع على كتاب جون ماكسويل (John C. Maxwell),  واسمه القائد بثلاثمئة وستين درجة “360 Degree Leader” . لفت انتباهي عنوان الكتاب وبحكم أنني أحب التحليل والنظر بعمق على الأشياء بدأت بسؤال نفسي لماذا 360 درجة ! ولماذا أطلق عليه هذا الاسم! مع أنه ذكر بكتابه كيف يمكنك أن تكون قائداً وتبدأ القيادة من الأعلى والاسفل ومن الوسط أو أفقياً وهنا  بدأت بالتفكير للنظر من منظور شامل

وللتوضيح سأذكر مثالاً هنا: لنفترض أنك كنت جالساً في مكتبك بالشركة وزارك صاحبك فأخرجت له موبايل ولكن جديد وغريب الشكل وقلت له بأن ما تحمله هو موبايل وهو يرى الجهة الخلفية للموبايل وهي عبارة عن قطعة من البلاستيك وعليها الشعار والكاميرا الخلفية، وعندها قلت له ماذا أمسك بيدي فوصف ما ينظر إليه ولكنك قلت له بل هذا موبايل ولكنه لم يصدق وقال لك أنا آتيك بنصف أهل الأرض وسيقولون لك ما أرى فقلت له وأنا آتيك بالنصف الآخر وسيقولون لك بأنه موبايل وبينما أنتم تتجادلون جيء بالقهوة ولكن الشخص الذي أحضرها وقع على الأرض وجرح نفسه وبدأ ينزف وعندها  قال لك إذا كنت تدعي أنه موبايل اتصل به وأحضر الإسعاف 

ولكن السؤال هنا من على صواب ومن على خطأ فالجواب كلاكما على صواب وحق ولكن السؤال الحقيقي هنا من هو الاصح؟ بالطبع أنت الأصح لانك ترى بالزاوية الأصح وباستطاعتك الاتصال بالإسعاف وإنقاذ حياة العامل المُلقى على الأرض قبل أن يستمر النزيف ويموت، ولكن عند البدء بالاتصال انطفأ الموبايل ولم تستطع إجراء الاتصال فقال لك صاحبك قلت لك بأنه ليس بموبايل ولكن كان زميلٌ لك بالعمل يجلس معكم بالمكتب ولكن بالاتجاه المقابل لكما، فقال لكم مهلاً أرى كبسة على جانب الموبايل وأعتقد بأنها لتشغيل الموبايل (وللعلم فهو يرى من منظور وزاوية جانبية لا تستطيع رؤيتها أنت ولا صديقك كونه هو فقط من يراه من زاويته) وهنا قام بضغطها واشتغل الموبايل ثانيةً فقلت لصاحبك نعم قلت لك إنه موبايل، وللعلم هنا فإن كلاً منكما وكذلك زميلك بالعمل على حق ولكن في هذه اللحظة الذي كان الأصح هو زميلك بالعمل لأنه الحل كان عنده بسبب رؤيته بزاوية لا تراها أنت ولا صاحبك، وبعد تشغيل الموبايل قمت بإعادة المحاولة والاتصال بالإسعاف وعندها انطفأ مجدداً فقلت مباشرة لزميلك اضغط الكبسة لأنه انطفأ مجدداً ظاناً أنه سيشتغل إذا كبسها ولكن عند كبسها لم يشتغل…

وهنا ابتسم صاحبك مُجدداً وقال قلت لك بأنه ليس بموبايل ولكن في هذه الأثناء نظر لكم العامل المُلقى على الأرض وقال مهلاً أرى مخرجاً للموبايل بالاسفل وأعتقد بأنه لسلك إعادة الشحن، وهنا نتساءل من كان على خطأ نقول الكل كانوا على صواب ولكن السؤال هنا من الأصح!! بالطبع في هذه اللحظة العامل هو الأصح .

إذن نستنتج من هذا المثال أن من يمتلك المعلومة الأصح هو من يستطيع رؤية الأمور بأكثر من زاوية والعكس صحيح! ويجدر بالذكر هنا أن الكمال لله وحده خالق كل شيء والمتفرد برؤية الأشياء كلها بكل الزوايا ولذلك نقول كما وصف الله نفسه بسورة الأنعام (101): بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، صدقت ربي ما أعظمك أشهد بأنك أحدٌ أحد فردٌ صمد خلقت كل شيء وأنت بكل شيء عليم وأنت الغني عن العالمين.

وهنا خرجت بنظرية لي سميتها: فن الحوار ليس من هو على صواب أو من هو على خطأ ولكن من هو الأصح!!!. وفي المقابل انتبهوا جيداً! كل شيء ما دون كتاب الله وما صح عن نبيه عليه الصلاة والسلام يحتمل أن نقول به من هو الأصح! وليس من هو الخطأ!

ولكنّ كتاب الله وما صح عن نبيه هو الحقُ بعينه لقوله تعالى بآيات كثيرة نذكر منها سورة الإسراء (105): وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وبسورة يونس  (82):  ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون، وبسورة المؤمنون (116): فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، نعم سبحانك ربي فأنت الحق وأنزلت الكتاب على نبيك بالحق وأنت تهدي إلى الحق وتقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وتفتح بيننا بالحق وتقضي بالحق وأرسلت نبيك بالحق بشيراً ونذيراً وما يجادل بالحق إلا الذين كفروا.  

فيا ليتنا نعقلها بحقها ونحسن فن الحوار بيننا ونترك الجدل العقيم والبيزنطي لأنه يولد الشحناء والبغضاء وسبحان الله يعلم أن الإنسان أكثر شيء جدلاً كما قال في سورة الكهف (54): وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، فحبذا أحبتي لو تركنا الجدل وبدأنا نتقرب من بعضنا بمبدأ الحوار البناء بمحاولة كلٍّ منا النظر من منظور الآخر ومعرفة الأصح لكي نصل إلى الحلول النافعة وننشر المحبة لنرتقي في فن الحوار ليس حباً لنشوة الانتصار وتخطئة الآخر بل إظهاراً للحق.

وأخيراً اللهم نور قلوبنا بالقرآن وارزقنا الفهم الصحيح له وابعدنا عن الجدل وقربنا من إظهار الحق بما تحب وترضى قولوا معي اللهم آمين، وإلى لقاء آخر والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله. ..

Share