كتبت هذه القصيدة بأمريكيا في منتصف التسعينات وقد حولتها وليس ترجمتها الى اللغة العربية (تذكروا مقالة: الكتابة باللغة العربية اولاً!).
ولكن لي عندها وقفة ممتعة قبل قراءتها تذكرني بما مر معنا أيضاً أثناء الدراسة المدرسية حيث كان بعض أساتذة اللغة العربية عندما يطلبون منا حفظ القصيدة الشعرية يطلبون أيضاً قراة المناسبة التي جعلت الشاعر يؤلف تلك القصيدة وفي حينها كنا نتذمر ليس الكل بالطبع ولكن الكثير منا وبكل صراحة انا كنت منهم ولكن هذه القصيدة علمتني درساً قوياً وجميلاً في آنٍ واحد، علمتني أن قراءة ومعرفة المناسبة تؤدي الي فهم وحفظ القصيدة بل وإلى الاستمتاع بقرائتها ومعرفة ما يخبو خلف كل كلمة وبالطبع سأبدأ هنا وليس كالعادة بسرد المناسبة لهذه القصيدة حتى أشارككم لذة الاستمتاع بها فابدأ بالقول:
كنت اثناء دراستي الجامعية حينها أشارك صديقاً لي السكن بشقة مكونة من غرفتين نوم ولكن نشترك بباقي الشقة من اجل تقليل المصاريف كونها كانت مرتفعة انذاك، وفي يوم من الايام في ايام عطلة الاسبوع كنت باحد الاحياء القريبة أسوق بنفس المقاطعة واسمها بيرغن كونتي بنيوجيرسي فمررت على كراج بيع فنزلت لأنظر فوجدت لوحة زيتية أعجبتني للغاية وكانت عبارة عن رسم بالزيت لسفينة واقفة بعرض البحر وقت ما بعد الغروب والشفق ظاهر والقمر متواري خلف الغيوم المتراكمة والموج مضطرب والشراع هزيل فعلاً قلت بنفسي أبدع من رسمها وأسررت بنفسي على شرائها مهما كلف ذلك وبالفعل اشتريتها وذهبت بها الي الشقة وعلقتها بغرفة الجلوس وفي اليوم التالي جاء زميلي الذي يشاركني الشقة وقال لي تيسير هذه لوحة رائعه جداً من أين أتيت بها فأخبرته وقال لي انت تكتب الشعر تيسير وهذه لوحة غاية بالروعة فلمَ لا تؤلف قصيدة عنها فقلت له في حينه وأنا أبتسم أتراني أنا من يبزء ويلزء فضحك ومرت الايام،
وبعد اسابيع بينما انا جالس على الكاوتش اشاهد التلفاز راودني النعاس فذهبت الي غرفة نومي ولكن لم أستطع النوم ثم عدت الى غرفة الجلوس وجلست وذهبت واحضرت عصير البرتقال المحبب لدي انذان وكان من نوع تروبيكانا – هوم ستايل، وبدأت بالشرب وعيني على اللوحة وعندها اتت لي الفكرة والإلهام فقمت وجلست بمكتبي الموجود بغرفة النوم وبدأت بالكتابة فتم ولادة هذه القصيدة -أبحر وحيداً…
ولكن يجب ذكر الفكرة التي خطرت ببالي قبل قرأة القصيدة عليكم وكانت عبارة عن لمحة نظر لا تتعدى العشر ثوانٍ وهذه اللمحة مُثلت بالقصيدة كلها فكان كل بيت بالقصيدة هو وصف لبضع ثوانٍ من هذه اللمحة التي جسدت الفكرة ولتوضيح هذه الفكرة ايضاً ابينها بشكل مختصر وهي انني قمت باعتبار أن هذا القارب يمثلني كونه وحيداً وأنا في هذه الغربة وحيداً وكأنما شيئاً يجمعنا حيث أن كل ما حولي جديد لا أعرفه وأريد اكتشافه تماما عندما تُخطف من قبل احد وبعد جلبك الى مكان الخطف يُزال العصاب عن عينيك فأول ما تفعل هو النظر لما حولك لتعرف اين انت وماذا يجري من حولك فتنظر لبضع ثوانٍ الى الاسفل أولاً ومن ثم الى ما حولك ومن ثم الى الاعلى عسى أن تجد حلاً أو فرجاً وهذا بالضبط ما قصدت به عن لمحة النظرة التي دارت حولها فكرة القصيدة كلها والان أقرؤها لأترككم تتأملون وتستمتعون بها وبمعانيها:
أبحر وحيداً
أبحر والأمل في اقترانيفأرسو بين ماء وسماء
أدنو أخاطب موجا كئيباتراه بين صخب وهدوء
وأنا بحال بين صحو ودوارفي ظلام بين عتم وضياء
فالنجم ليس يبدو في سماءوالقمر قد توارى في جفاء
قد توارى بين جمع من غماموبصيص أطل منه لشفاء
يحمل رمزا قد تسامى بمعانكن مثابرا في صراع لبقاء
أعتقد أنكم أدركتم المعنى ولكن ألخص بعض النقاط فاولها جعلت نفسي والامل شيء واحد مقترنا مع أن عنوان القصيدة أبحر وحيداً أي انك وحتى إن كنت وحيداً في هذه الحياة فلا تفارق الامل حتى تفارق الحياة وثانيا عندما بدأت لمحة النظر لما حولي بدأت انظر ولكن في كل مرة ابتداءا من النظر للاسفل الى الموج وانتهاءا بالقمر فكانت النتيجة غير واضحة وما بين بين دون حلٍّ شافياً ولكن في النهاية جاء الحل والفرج من قبل شعاع وبصيص الضوء القادم من القمر والذي يحمل حلاً برمزٍ مُفعم بالمعاني السامية والتي تتلخص بوصوله إليّ رغم قطعه كل هذه المسافات والعقبات حتى وصل وهذا يجسد العزيمة والمثابرة لتحقيق الهدف دون كلل او ملل.
