الآن وهنا
نبدأ بأول آية قرآنية لنتعرف على الحكمة المستقاة من هذه الآية الكريمة ونقارنها بما توصلت إليه التنمية البشرية الحديثة:
قال الله تعالى (الحديد:16): (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وسورة الفرقان: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)
الحكمة المستقاة من هذه الآية الكريمة مقارنة بما توصلت إليه التنمية البشرية الحديثة: إن مما تدعيه التنمية البشرية الحديثة هو أن الإنسان لا يستفيد إلا من الوقت الحاضر ويعبرون عن هذا بمقولاتهم الشهيرة: هو أن البارحة تاريخ وماضي وأن غدا لن يأتي واليوم هو مستقبلك والطريقة الوحيدة لصناعة مستقبلك والاستفادة من وقتك هي: الآن وهنا . أي أن التنمية الحديثة تركز على الآن وهنا. فأبدأ بالقول بأن ” الآن وهنا ” ليست من البلاغة في شيء وذلك لأن الآن شاملة لمعنى هنا، أي أنك عندما تقول الآن سأبدأ فتشمل هنا ضمنياً أينما كنت! وكذلك حتى لو افترضنا أن الماضي تاريخ إلا أن الإنسان بطبيعته التي جبل عليها يلازمه الحزن على ما فاته فيبقى في انشغال على ما فاته من مكاسب دنيوية مما يعيق بدءه الآن مهما كانت عزيمته للتغيير قوية لأن هذا ما جُبل عليه!
وكذلك غدا لا يمكن فصله لأن الإنسان جُبل أيضا على الخوف مما سوف يأتي فهو دائما في انشغال على ما يُخبئه له غدا حيران ويقظ من المستقبل! ومشغول الفكر في تأمين لقمة الغد لحياته وحياة عائلته!. فأقول هنا كيف نناقض أنفسنا بالقول أننا علينا نسيان الماضي والمستقبل وهما ما جُبلنا عليه من خوف وحزن! فيقول قائل طبعاً يوجد استثناء واحد فقط من قبل من جبل وخلق هذا الإنسان على نزع ما جُبل عليه وأقرب مثال على ذلك من صنع أي جهاز يعرف كيف يبطل أي خاصية به، وهنا أتذكر الآية الكريمة والعظيمة التي تُعطينا المفتاح الذهبي لنزع ما جُبل عليه الإنسان من خوف وحزن! والتي تقشعر لها الجلود ثم تلين لسماعها بقوله تعالى بسورة البقرة الآية 38 : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38), وهنا أنوه إلى دعاء لرسول الله نقطف من ثماره نزع الخوف من ما هو آتٍ من كرب أو شدة وهو (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)،
ولشرح المعنى الحقيقي للآن وهنا تناولنا معنى ألم يأن في الآية الكريمة: فهي مصدر لكلمة الآن وكأن الله سبحانه وتعالى يخاطبنا بقوله الآن توبوا إلى الله. أي أن تحديد توبة العبد يجب أن تبدأ الآن لأن التوبة تجب ما قبلها وتجعله ماضياً لا يحزن عليه لأن الله يغفره له بل على العكس يفرح لأن الله يبدل سيئاته حسنات من كرمه وفضله، وهذا ليس فقط يبعد الحزن على ما فات المرء من تقصير وخسارة فحسب بل ويكسبه الفرح الشديد على قلب هذا الماضي إلى ربح وفوز عظيم مما يدفع الإنسان دفعاً إلى التركيز على الآن للبدء في العمل.
وأن المستقبل في علم الغيب لا يعلمه إلا الله لذلك لا يجب تأخير التوبة إلى الغد لأنه ممكن أن تموت قبل أن يأتي غدا، وليس هذا فحسب بل إذا فعلا لن يأتي فأنت مطمئن النفس لكونك قد تبت فلا تخاف على حياتك بعد الموت وإذا جاء غدا فأنت مطمئن أيضا كونك قد بدأت في الطاعة ومن هنا نرى أن الحكمة الربانية أعم وأشمل من فلسفة “الآن وهنا”. اللهم تب علينا وتقبل توبتنا وأحسن خاتمة أمرنا واقبضنا اليك غير مفتونين وأنت راضٍ عنا قولوا معي اللهم آمين،
وإلى لقاء آخر والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله. ..
▶ شاهد حلقات سلسلة «إحياء شعيرة التفكر» على قناة يوتيوب.
