هذه القصة تجسد المعنى الحقيقي لـقوله تعالى-المائدة – الآية 39فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، يروى أن مالك بن دينار وهو من أئمة التابعين، واشتهر عنه أيضاً بأنه كان يبكي طول الليل ويقول: إلهي أنت وحدك الذي يعلم ساكن الجنة من ساكن النار، فأي الرجلين أنا اللهم اجعلني من سكان الجنة ولا تجعلني من سكان النار. وكان ثقة يكتب المصاحف، وكان زاهدًا في الدنيا، ومرّ والي البصرة بمالك وهو يتبختر، فصاح به مالك: أقل من مشيتك هذه، فهمّ خدمه به، فقال: دعوه، ما أراك تعرفني، فقال له مالك: ومن أعرف بك مني، أما أولك فنطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، ثم أنت بين ذلك تحمل العذرة، فنكس الوالي رأسه ومشى.
ولكنه قبل أن يتوب كان يُعرف بعدم استقامته في بداية حياته: ففي يوم من الأيام اشتاق إلى أن يتزوج وأن يكون عنده طفل، ولكن من يزوجه وهو على هذا الحال فذهب إلى سوق الإماء وأُعجب بإحدى الجواري وقام بشرائها ثم أعتقها وجعل عتقها مهرها وتزوجها وأنجبت له طفلة أسماها فاطمة، وكان يحبها حباً شديدًا وكلما كبرت فاطمة كلما زاد الإيمان في قلبه وكلما اقترب من الله خطوة وابتعد شيئاً فشيئًا عن المعاصي حتى اكتمل سن فاطمة 3 سنوات. فلما أكملت 3 سنوات، ماتت فاطمة، فانقلب أسوأ مما كان عليه، وتلاعب به الشيطان حتى جاء يوم فقال: لأسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل، وظل طوال الليل يشرب ويشرب حتى خر مغشياً عليه، ورأى بالمنام تلك الرؤيا المشهورة عنه.
يقول: رأيت كأن يوم القيامة وقد أظلمت الشمس وتحولت البحار إلى نار وزلزلت الأرض واجتمع الناس إلى يوم القيامة والناس أفواج وأفواج، وأنا بين الناس وأسمع المنادي ينادي: فلان ابن فلان هلم للحساب، فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شدة الخوف حتى سمعت المنادي، ينادي باسمي هلم للحساب، فاختفى البشر من حولي، وكأنه لا أحد في أرض المحشر سواي ثم رأيت ثعبانا عظيماً شديداً قوياً يجري نحوي فاتحًا فمه، فجريت أنا من شدة الخوف والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي، فقلت: أأهرب من الثعبان لأسقط في النار؟ فعدت مسرعًا أجري والثعبان يقترب، فجريت وإذ بجبل يعترض طريقي والثعبان يكاد يتخطفني، فرأيت على الجبل أطفالاً صغارًا،
فسمعت الأطفال كلهم يصرخون: يا فاطمة أدركي أباك يا فاطمة أدركي أباك. يقول: فعلمت أنها ابنتي، ويقول ففرحت، فأخذتني بيدها اليمنى ودفعت الثعبان بيدها اليسرى، وأنا كالميت من شدة الخوف، ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا وقالت لي يا أبت:
ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق”؟ يا أبت: “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق”؟ وتكررها حتى استيقظت وصداها أسمعه بأذني. يقول: فاستيقظت من نومي وإذ بي أسمع صوت أذان الفجر يقول حي على الصلاة، فاغتسلت وخرجت لصلاة الفجر أريد التوبة والعودة إلى الله.”
يقول: دخلت المسجد فإذا بالإمام أنس ابن مالك يقرأ نفس الآية:”ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق “. وعندما انتهى جلس وبدأ بشرح الآية وقال بأن يأن هو مصدر من الآن وكأن الله يقول لكم الآن الآن توبوا إلى الله وشعرت وكأنني أنا المخاطب بها وقلت قد آن يا رب، قد آن يا رب، . فتاب ورزق بأبناء المسلمين عوضاً عن بنته كانوا يأتون إليه لتلقي العلم بين يديه. واشتهر عنه أنه كان يقف كل يوم عند باب المسجد ينادي، ويقول للناس: أيها العبد العاصي عد إلى مولاك، أيها العبد الغافل عد إلى مولاك، أيها العبد الهارب عد إلى مولاك.
فسارعوا للتوبة وإصلاح العمل ونسأل الله أن يتوب علينا ويقبضنا إليه غير مفتونين وهو راض عنا اللهم آمين، وإلى لقاء آخر بحلقة قادمة والى حينها أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله.
